مجلة منتدى الحنين الثقافي والأدبي

مجلة منتدى الحنين الثقافي والأدبي

منتدى ثقافي اجتماعي يهتم بنشر النصوص الادبية من شعر وخواطر وقصص وهمسات وجدانية
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 شخصيات بحجم الوطن{ للشاعر أحمد جابر}

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
.الماء الصافي (انمار)



عدد المساهمات : 20
نقاط : 62
تاريخ التسجيل : 25/12/2015
العمر : 30

مُساهمةموضوع: شخصيات بحجم الوطن{ للشاعر أحمد جابر}   الإثنين ديسمبر 28, 2015 11:20 am

شخصيات بحجم الوطن
كنت مارا بإحدى قاعات كلية الآداب ، توقفت لبرهة ، لا أدري ما الذي قيد قدمي كأن شيئا ما يشدني إلى داخل القاعة ، تحركت خطوات لأجدني وحيدا في تلك القاعة التي كانت فارغة إلا من مقاعد الدراسة وأوراق متناثرة وأتربة تملأ المكان،أخذتني وحشة وأنا اتطلع لتلك الطاولة وذاك المقعد الذي ينتصف القاعة ، وفي حالة شرود وهروب من الزمن شعرت بالزمن يختطفني إلى الماضي، والذكريات تنهمر علي كجلمود صخر حطه السيل من عل ، ذلك المقعد نبش ذكرياتي وطوقني بتلك اللحظات الآسرة من حياتي،وجدت نفسي أشبه بشاعر جاهلي يقف على أطلال من تركوه باكيا أثرهم ومتلمسا لبعض ذكرياتهم ، أحسست ببرودة المكان ، والظلمة جاثمة في محيطه والشمس تتسلل بخجل من نوافذه القديمة ، لم يعد دافئا كما كان ، ألقيت نظرة أخرى لذلك المقعد المهترئ تخيلته حزينا ينتحب ، شعرت بحنينه ، بدا لي وكأنه يبث شكواه يريد أن يعاتبني ، ويبوح لي بلواعجه وأحزانه وحنينه لتلك الأيام الخوالي ، هنا بالفعل كنا نجلس وكلنا توق وطموح وهناك كانت تجلس وعلى تلك الطاولة تتكئ ، تضع حقيبتها هنا وكتبها تفرشها في هذا الجانب ، شعرت بوحشة المكان ، تهيأ لي أن هذا المقعد يخاطبني وهو ذاك المنكسر ليسألني عن أناس كان يأنس لوجودهم وقد افتقد حضورهم ، غاب ذلك الصوت الذي طالما بث الحياة في محيط هذه القاعة ،تمنيت أن يعود ولو للحظة كي يكسر صمت المكان ويلقي عن كاهله هذا الثقل من الحنين والصمت والجفاء ، لا امتلك إجابة تخفف من فضول هذه الأسئلة ، جلست على ذلك المقعد لعلي أن أهدئ من صخب الذكريات ، شعرت به باردا جافا، لكني أفسحت لمخيلتي كي تحلق من جديد ، فهنا كان مقعدها على مرمى عيني ، كانت هي سحر القاعة وروحها ، والشجن الذي مابرح يندب حظه لفراقها ، إنها المعلمة الفاضلة الدكتورة وجدان الصائغ قيثارة سومر والتي مثلت عنوانا ثقافيا يؤسس لتجربة نقدية مختلفة، كانت تتسم بالصرامة والجدة في التدريس ، وكنا نحن في مثل حماستها ، لم نعهد هذا الأسلوب في الدراسة ، وهذا المنطق السديد في القول ، بلاغة مبهرة وفلسفة عميقة تخاطب بها كل مدركات الطالب ،إبداع لاينضب ، لازلت أتذكر أني كنت طالبا خجولا أتردد في المشاركة ، لكنها جعلتني أتمرد على هذا الشعور ، علمتني الاعتداد بالذات والتعبير عن الملكات ومواجهة الجمهور برباطة جأش ، لم تكن الدراسة مقتصرة على الكتاب والملزمة ، بل كانت عبارة عن حراك ثقافي يدمج وعي الطالب بما يعتمل من اشتغال نقدي منهجي يوازي ما أنتجته المخيلة المعاصرة من إبداع فكانت الندوات والمؤتمرات الأدبية هدفا لكسر رتابة التلقي ، وكان الطالب مشاركا فاعلا يزاحم النقاد ، ولم تكن لأي فعالية أن تكون لولا وجودها وإشرافها المباشر وتوالت الندوات التي شاركنا بها وتنوعت الأوراق النقدية بتنوع المحاور الثقافية ، واجهنا المبدع وخاطبنا المثقف والمفكر بل وكان النقد في مواجهة منشئ النص يعبر عن حضور قوي ، هكذا أصبحت جامعتنا قبلة للعلم، ومنارة للثقافة ، فكان العديد من رموز الفكر والأدب ينزلون ضيفا على الجامعة ، ولم يكن المبدع اليمني وحده المضاف في هذه الندوات والمؤتمرات بل شاركت فيه نخبة من ألمع الأدباء والشعراء في بعض الأقطار العربية ، وحين نصل لنهاية العام 2008وبداية العام 2009، هنا تكون خاتمة لمسيرتها النبيلة وحضور ها المبدع على امتداد وجودها في الجامعة ، هاتفتني إحدى الزميلات لتطلب مني الحضور في مناقشة رسالتها العلمية التي كانت الدكتورة وجدان مشرفة عليها ، وسربت إلي خبر صادما بأن الدكتور صبري والدكتورة وجدان مغادران لأمريكا ، شعرت بحزن بالغ ، وفي اليوم التالي حضرنا المناقشة وحال الانتهاء من جلسة النقاش تحدث رئيس الجامعة الدكتور أحمد الحضراني محاولا اثناءهما عن ذلك القرار ، كانت نبرته حزينة وشعرت به لأول مرة منكسرا في خطابه ، راجيا أن يبقيا للعمل في الجامعة شعرت بتوسلاته ، كان يدرك حينها أن الجامعة ستخسر هذا الجهد الأكاديمي ، خاطبهما قائلا هذا وطنكما ونحن اخوة وزملاء ، التفت للدكتورة وجدان لأجدها غارقة في الدموع ، لأول مرة أراها تبكي خرجت من القاعة ، كانت لحظات تراجيدية الجميع غمرتهم مشاعر الحزن التفت لزملائي والآخرين كنت اتصفح الوجوه الكثير من الحضور غلبت عليه دموعه واخرين خنقتهم عبراتهم ، حاول الدكتور صبري التخفيف من الأمر ، تحدث لكنه كان أيضا يبتلع أحزانه ، كان يشيد باليمن وأهلها والجامعة والعاملين فيها، وأسهب في حبه لهذا الشعب ، كلماته كانت هي الأخرى مؤلمة بما يكفي لنذرف دموعا أخرى ، شعرنا بالفقد واليتم لكن لم يكن لنا من حيلة إلا أن نسلم بقرارهما ، لم تمض غير ايام قليلة ، رحلا ولم نكن لنستوعب هذه الخسارة ، بدت الكلية والقاعة حاضرة في هذا الحزن ، ذمار بدت أكثر شحوبا ووجعا منتدياتها الأدبية ومكاتبها ، كل شيئ ارتبط بهذين الاسمين كان يعتصر حرقة ، غادرت وجدان وقد خلفت في مكتباتنا قرابة الثمانية عشر كتابا وللدكتور صبري مايقارب هذا العدد ، علمان مهمان يغادران اليمن ، شعرنا بوجع الفراق ، غادرا لكنهما تركا أثرا طيبا وسيرة ناصعة ، قرابة عقد من الزمن كأنه دهر في البناء وفي تشييد صروح الثقافة ، رحل صبري ووجدان لكن تلاميذهما ظلوا يقتفون أثرهم ملؤوا الجامعات بعد أن كانت تفتقر لمن يدرس فيها، هكذا أصبح التلاميذ أساتذة يتألقون ويبدعون فما خاب من شابه أستاذه ، غادرونا ولازالت ذاكرتهم تجتر الطيب والعبق خالدة في النفوس ، وهنا وأنا أختم مقالتي بحسرة أعترف ومثلي كل أبناء اليمن ومثقفيه ، أن أساتذتنا العراقيين أسهموا في صناعة العقول وبنوا مداميك التعليم في اليمن ، وهناك أسماء جديرة بالإشارة والتذكير لا يمكن أن يغفل تاريخ اليمن المعاصر عما أنجزه هؤلاء المخلصين من القطر العراقي ، وعلى سبيل التمثيل لا الحصر نذكر كل من حاتم الصكر وعبدالإله الصائغ وعناد غزوان وعلي حداد حسين وصادق الحلو وعلي الركابي وغيرهم الكثير من العلماء والأعلام الذين جاؤوا إلى اليمن بنية صادقة أثمرت جهدا ، وأوجدت مشروعا علميا يفوق ما أوجدته تلك الدول التي تتفوق اقتصادياتها على اليمن... تلك النوارس المهاجرة كانت يوما تبني وبصمت ودون منة غادرونا وقد تركوا ثلما في القلوب ، سيظلون رموزا حاضرة في وعي هذه الأمة وسنحدث أبناءنا وتلاميذنا عنهم بفخر واعتزاز ....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شخصيات بحجم الوطن{ للشاعر أحمد جابر}
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مجلة منتدى الحنين الثقافي والأدبي :: منتدى الخواطر :: منتدى الشعر-
انتقل الى: